اسد حيدر
54
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
سوق الاعتبار يعرف مدى انحرافه وأنه أهمل الواقع وظلم الحقيقة ، وتراه عندما يأتي لذكر جعفر بن محمد الصادق في حوادث 148 ه - يقتصر على قوله : وفيها مات الإمام جعفر الصادق . ولا يروق له ذكر شيء عن حياته . وكثيرون أمثال ابن كثير من قبل ومن بعد . وأغرب شيء وقفنا عليه أن البحاثة محمد محيي الدين المعروف بالتتبع وضبط الألفاظ في تصحيحه وتعليقه على الكتب أهمل اسم جعفر بن محمد وغير اسمه ، فيقول عند ذكر وفاته في العنوان : وفاة محمد بن جعفر العلوي « 1 » . وهب أن ذلك غلط مطبعي أو من الناسخ في أصل الكتاب فإن الواجب عليه التنبيه والإلفات لهذا الغلط . وما نرى ذلك إلا من نتائج جهود النواصب وأعداء أهل البيت الذين اتجهوا بنشاط واضح إلى الأقلام المعاصرة في مصر العروبة والإسلام للتأثير في واقعيتها والتحول عما اتصفت به من الدقة والصدق في مواقف كثيرة . ومثل شخصية جعفر بن محمد تلك الشخصية الإسلامية العظيمة يجب على التأريخ إعطاءها حقها من البحث ، فهو أبرز شخصية في عصره وأعلم الأمة على الإطلاق . ولا نتجاوز الحقيقة إن قلنا إن الإمام الصادق عليه السّلام كان أعلم أهل عصره وهو أولى الناس بحفظ أمانة الدين ، ولا نبعد عن الواقع ، إن قلنا إن تلك الخطوات التي سار عليها في عصر ازدهار العلم قد أعطت الأمة دروسا ، وعلمتهم كيف يجب أن يكون المصلح الذي يقتدي به عظماء الأمة ورجال الدعوة ، وأن يستقل العلم بمؤهلاته النفسية ويفرض نفسه على المجتمع بقيمه الروحية ، بدون التزام بالقوة . بل الأولى أن يكون مقبولا من حيث هو ، لا من حيث الإرهاب والسلطة أو المغريات الخداعة ، وإن الكثير ممن درسوا حياة الإمام الصادق عليه السّلام إنما سلكوا طرق الحذر والتكتم ، فتلك دراسة سطحية لا تتجاوز حدود دائرة الحذر أو التعصب ، وقد رسمت صورته في إطار التأريخ بريشة مفن مرتعشة لذلك لم تبرز طبق الأصل ومع هذا جاءت سليمة من التشويه وفريدة في الإبداع . لم تنل منها أغراض الحكام ، ولم تتمكن من منزلته سياستهم ، فكان غاية ما في وسع من أشبع بروح العداء أو نذر نفسه لخدمة أغراض
--> ( 1 ) مروج الذهب ج 3 ص 212 .